• ×

09:07 صباحًا , الثلاثاء 26 مايو 2020

تراثنا الشعبي.. نفاسته وواجبنا تجاهه

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لقد خلف لنا الآباء والأجداد الأقربون من التراث الأدبي.. مثل ما خلفه لنا الآباء والأجداد الاقدمون.. وإذا قلت مثله فانني لست مبالغا.. بل إني استطيع ان أقول ان هناك نواح من الشعر والتفكير يمتاز بها الأقربون.. وقد برزوا فيها.. وجاءوا بما تشتهيه الأنفس وتلذ الاعين.. ومن هذه النواحي القصائد التي يسمونها عروس الشعر..
وعروس الشعر هذه نوع من القصيد يختار فيه الشاعر إحدى الحسان.. فيضني عليها اوصاف الجمال والكمال ويرسم لها صورة شاعرية جذابة تخلب الالباب.. وتستهوي المتزوجين والعزاب!
ثم بعد ان يرسم لها الصورة الخلابة الجذابة الساحرة يستعرض أمامها الزعماء والكبار ويعرضهم عليها واحدا.. اثر واحد لتختار منهم من تراه يتمتع بالصفات المثلى التي تريدها المرأة في الرجل، فإذا عرض عليها احدهم مدحته بشتى المكارم والأخلاق السامية.. ووصفته بأوصاف العظماء، ثم تقول انها لا تريده لانه رجل شجاع يعرض نفسه دائما للاخطار.. وهي تريد رجلا يعيش لها ويعيش معها.. ثم يعرض عليها رجلا أخر فتضفي عليه من أوصاف المكارم والشيم ما يتطلع إليه كل ماجد كريم.. ولكنها في النهاية أنها لا تريده.. لأنه رجل كريم.. يفرق ما جمع.. ولا يبقي ولا يدع.. وهذا الكرم ترى أنه يهدد حياتها وسعادتها بالحاجة والعوز لو اقترنت بهذا الرجل الذي يتسم بهذه السمات..
ثم يعرض عليها ثالثا.. فتقول عنه انه من عائلة كريمة.. واصل شريف.. ولكنها لا تريده لأن جمع المال والثراء قد استبد بفكره وعقله.. واستولى على زهرة أوقاته وهي تريد لقرينها ان يخصها بأكثر أوقاته واطايبها.. ثم يعرض عليها رابعا فتقول ان عنده زوجات كثيرات.. وهي لا تريد لها منافسا في الرجل الذي تهواه زوجا لها ثم خامسا وسادسا.. وهكذا منهم من تمدحه مدحا بأسلوب الذم.. ومنهم من تذمه بأسلوب المدح.. وقد يكون منهم من تصليه نارا حامية من الذم الممقوت والهجاء المقذع لان الشاعر هو الذي ينطقها بما يشاء ويملي عليها ما يريد.. فتقول وتصف به الرجل الذي امامها..
وقد يكون هذا الوصف في شيء من اللباقة والكياسة والخروج من المآزق بأسلوب لطيف.. وقد يكون في بعض الاحيان.. قاسيا عنيفا.. حسب رأي الشاعر في الرجل الذي استعرضه أمام عروسه التي يبحث لها عن الكمال.. ويبحث لها عن الرجل الذي تسعد بجواره.. ولا يكون لها منافسات في حبه ورعايته وحنانه..
هذا لون من الوان الشعر الذي تجده في الأشعار الشعبية.. على انك إذا تتبعت أشعارهم سوف تجد فيها ألوانا اخرى.. قد تضارع أشعار الأقدمين في القوة والمتانة .. واصالة الفكر.. وصدق التعبير.. وبلاغة الوصف.. وقد تجد فيها بعض المقطوعات.. التي تبهرك وتملك عليك مجامع عقلك.. وتستبد بإعجابك.. إعجابا لا حد له..
وهذا ليس بغريب.. فان التربة التي أنجبت أولئك الأوائل هي نفسها التي أنجبت هؤلاء الأواخر.. فالأجواء هي الأجواء وظروف المعيشة ومتطلباتها هي هي. فهؤلاء الأواخر يعيش في المرابع التي عاش فيها امرؤ القيس والأعشى وعمرو بن كلثوم وجرير وإضرابهم من أولئك الشعراء الذين صارت معينا لاينضب ودعامة قوية.. من دعائم اللغة.. ومصدرا من مصادرها.. الذي تعتمد عليه من ناحية المفردات والتعبيرات ومن ناحية الأفكار و الأخيلة.. ومن ناحية الوقائع والأحداث ومن ناحية المعالم والآثار..
والقارئ للأشعار القديمة.. ثم للأشعار الشعبية الحديثة.. لا يرى فرقا إلا في اللهجة بعض الألفاظ التي قد تكون دخلت إلى الجزيرة العربية.. في الحقب الأخيرة نتيجة للاحتكاك والاختلاط ببعض الأجناس الأخرى.. المحيطة بالجزيرة العربية.. والتي غزوناها من ناحية.. ثم غزتنا من نواح اخرى بثقافاتها.. وعاداتها.. وألفاظها وأساليب العيش فيها..
إلا أن هذه الجزيرة العربية على الرغم مما يحيط بها من الأمم والتيارات.. قد احتفظت بطابعها الخاص.. واحتفظت بأساليب معيشتها لأنه لم يكن فيها شيء من مغريات العيش.. وكانت صحاريها الواسعة الموحشة.. بمثابة السياج المنيع الذي وقف سدا منيعا ضد التيارات والأخلاط.. التي ما دخلت مجتمعا إلا مسخته.. وقلبت أوضاعه رأسا على عقب.!.
وإذا فقد كان لهذا الوضع الطبيعي الممتاز الفضل كل الفضل في أن تبقى هذه الجزيرة حصنا منيعا للعرب والعروبة.. ومنبعا للإشاعات التي تنبثق من هذه البقعة ما بين فترة واخرى على مر الدهور.. وتعاقب الأيام..
والتراث الشعبي الذي ندعو إلى العناية وجمعه وتسجيله ينحصر في شيئين.. في الأشعار وفي الأمثال.. أما النثر فقد كان مفقودا في الجيل السابق وما قبله من أجيال الانحطاط الفكري والعلمي.. وإذا وجد هذا النثر فإنه يكون نثرا متكلفا مليئا بالأسجاع والمحسنات اللفظية المتكلفة.. التي تفقده عناصر القوة.. وعناصر الخلود..!
وقد بدأ قادة الفكر في هذه البلاد يشعرون بقيمة هذين اللونين من الوان أدبنا الشعبي.. ويشعرون بما لهما من المكانة السامية.. وما ينطويان عليه من القيم الغالية.. فبدأوا منذ سنوات قريبة يجمعون هذا التراث الثمين.. ويرتبون ويطبعون.. وأول من تنبه لنفاسة هذا التراث وجمع بعضه وطبعه.. الأستاذ خالد الفرج رحمه الله فقد جمع عدة اجزاء منه لشعراء متفرقين.. وطبعها على نفقة معالي وزير المالية السابق الشيخ عبد الله السليمان.. وعندئذ تنبه الأدباء والشعراء إلى هذه الناحية.. فصاروا يجمعون ويرتبون ويطبعون..
وفي العام الماضي اخرج لنا الأستاذ عبد الله بن خميس كتابه القيم الأدب الشعبي في جزيرة العرب ذكر فيه مميزات الشعر النبطي- أي الشعبي- وتعليل تسميته بالنبطي واستعراض بعض مناحيه واغراضه.. وأورد بعض المختارات وحللها تحليلا قريبا إلى اذهان الذين لم يتذوقوا هذا اللون من الشعر النبطي.. وجاء كتابه بداية طيبة.. وباكورة ممتازة لما نريده.. ولما يستحقه هذا الأدب من عناية.. بحث.. وتسجيل..
ثم جاء بعده الأستاذ محمد العبودي فألف كتابه في الامثال العامية في نجد.. وقد جمع فيه ألف مثل.. ووعد بأنه سوف يوالي جمع هذه الأمثال ويخرج بالباقي منها كتابا أخر يشتمل على ألف أخرى..
ومما يجدر ذكره بهذه المناسبة.. أنني عندما تصفحت كتاب الأستاذ العبودي في الأمثال.. وتصفحت أمثال العرب للميداني وجدت بونا شاسعا بين ما جمع.. وما يجب أن يجمع.. فأمثال الميدني تناهز الستة ألاف مثل.. وأنا أعتقد أن المتأخرين لن تقل أمثالهم عن هذا العدد.. وقد رجعت إلى نفسي فوجدت لدي من هذا الأمثال مجموعة لا بأس بها.. فبدأت اسجلها فاجتمع لدي الأن ما يناهز الثلاثة مثل.. ولا أزال اعثر ما بين الفينة والفينة على أمثال شعبية جديدة هي في غاية الروعة والجمال.. كما انها مليئة.. بالعبر والعظات.. وتجارب الحياة ونحن الأن في بداية الطريق.. والذي نرجوه هو ان نستمر في هذا النهج..حتى نصل منه إلى تحقيق هذه الأغراض الأدبية التي يفرضها علينا واجبنا الوطني.. ويفرضها علينا واجبنا الأدبي.. وتفرضها علينا ظروفنا الحاضرة التي جعلتنا وسطا بين طورين: طور البداوة.. والبساطة وطور التمدن والحضارة.. والانطلاق الروحي..!
على أنه لا يضايقني من النبط إلا حينما يريدون ان يقلدوا الشعر العربي أو شعراء الأقدمين.. إنهم إذا فعلوا ذلك جاءوا فيه بالسمح المتكلف الممل.. الذي تتجلى فيه الحذلقة.. والتنطع.. والمحاولات الفاشلة التي تجعلهم كالذي يحاول ان يقلد لهجة قوم اخرين.. في وقت لم تتكامل لديه عناصر المحاكاة.. والتقليد..

بواسطة : admin
 0  0  3.3K
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 09:07 صباحًا الثلاثاء 26 مايو 2020.