• ×

04:15 صباحًا , الجمعة 29 مايو 2020

طلبت منه أن ينشر خطراته النفسية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
عبدالله بن إدريس.
الأستاذ عبدالكريم الجهيمان هو أحدالرموز الثقافية في المملكة العربية السعودية وأحد الرواد الذين فتحوا مسام الوعي المستنير في أهاب المجتمع السعودي وأحد الذين أبلوا بلاءً حسناً في ميدان الكتابة الصحفية الموجهة نحو التحسين والتطوير والنهوض المتجانس بالبلاد إلى ما يحلم به المجتمع ويتشرفه لحياة أكثر تطوراً ورقياً ومواكبة للمد الحضاري غير المخالف لقيمنا ومثلنا..

وهو إلى جانب كتاباته الصحفية قد أسهم إسهاماً جلياً في الكتابة الأدبية شعراً «قليلاً» ونثراً كثيراً.. وأقول شعراً قليلاً.. حيث لم ينتج من الشعر إلا اثنتا عشرة قصيدة فقط قد جمعها مع عدد من المقالات في أحد كتبه الصغيرة.. وقد نسيت اسم الكتاب الذي أهداني نسخة منه وسألته عن وضع قصائده هنا وهي القصائد التي اخترت معظمها في ترجمتي له ضمن كتابي «شعراء نجد المعاصرون» الذي صدر قبل 30 عاماً.. ففاجأني بجوابه «هذا هو حصيلة شعري فقط اثنتا عشرة قصيدة ولا تسوى أن أفردها بديوان مستقل».
وكنت أتوقع ن لدى الأستاذ الجهيمان من الشعر أكثر بكثير من هذه القصائد الاثنتي عشرة.. كما توقعت ذلك لعدد من الشعراء الذين ترجمت لهم وقدمت مختارات من شعرهم ففاجأني بعضهم بالتوقف نهائياً عن الشعر.. ولم يصلوا إلى مستوى الديوان الشعري.
وقلة شعر الجهيمان لا تنقص من قدره أبداً كأديب كبير ذي عطاء وفير وبخاصة في كتابيه الكبيرين «الأمثال الشعبية» ذي الأجزاء العشرة و«أساطير شعبية» ذي الأجداء الثلاثة.. وهما كتابان كفيلان بأن يخلدا ذكر الجهيمان أجيالاً عديدة والله أعلم..
وله غير هذين الكتابين عدد من المؤلفات لكنها لا تصل في الجهد المبذول لها إلى «حقوي» الكتابين الآنفي الذكر..
والأستاذ ابن جهيمان من كتاب الذين يؤمنون بجدوى جمع ما كتبوا ونشروا في الصحف وإصدارها كتباً حتى وإن لم تكن لموضوعاتها صفة الديمومة والشمول وكمثال على ذلك كتاب «دخان ولهب» الذي جمع فيه بين ماكتب عن حفر الشوارع وانقطاعات الكهرباء وبين «خطرات نفسية» وقد صارحته بحكم الصداقة بيننا بأنه كان ينبغي له أن ينشر «خطراته النفسية» وما له صفة البقاء والعموم في مجالات الفكر والأدب والثقافة.. ويترك الكتابات الوقتية التي تزول أهميتها بزوال مناسبة ما كتبت له.. لكنه اعتذر بأن فعله هذا يعطي لمن يأتي بعده صورة عما كانت عليه الحياة في ذلك الزمن.
وما دام الحديث يجر بعضه بعضاً فإني أذكر للأستاذ عبدالكريم موقفاً وقفه معي - جزاه الله خيراً - عندما كتبت مقالاً في «اليمامة» حينما كانت جريدة عنوانه «يتجنسون للوظيفة» قبل 35 سنة وأعني بها بعض الإخوان العرب الذين أظهرت الحقائق والوقائق فيما بعد صدق ما توقعته حيث صار لأحدهم وهو طبيب «مقبرة» تفرق باسمه يقال لها مقبرة الدكتور.. في أحد مدن الوشم.. وطبيب آخر تحول بعد الجنسية إلى التجارة وترك الطب نهائياً وأصبح أحد «المليونيرية».. إلخ.
وقد أثارت مقالتي تلك حفيظة الكثيرين ممن تنطبق عليهم وحملوا عليّ حملة شديدة ومنهم أحد أساتذتي في المرحلة الثانوية لم يكلمني بعد ذلك المقال إلى يومنا هذا.. وإذا لقيني مصادفة نظر إلي بعينه الخضراء ولحيته الشقراء نظرة شزراء.. وكان خلف الحملة أحد المتجنسين الكبار الذي بسببه جاء تأنيب لصحيفة «اليمامة» على نشرها المقال وكتبوا ردوداً عليّ.. فما كان من الأستاذ عبدالكريم الجهيمان - متعه الله بالعافية - إلا أن كتب مقالاً ينتصر لي ويرد عليهم بأسلوب ساخر عنوانه «المتجنس» وكان يعني بهذه الكلمة معناها الشعبي الذي يتردد على ألسنة أهل نجد حينما يقولون «ترا هذا القطو متجنس لا تقولون له شيء» يعني أنه «جني» يتلبس في أشكال شيتى كالقطط والحيات وغيرها.
فكان مقاله ذلك دفاعاً عني في ظاهره، ورداً ساخراً على الذين هاجموني في باطنه.. وما زلنا نضحك كلما مر علينا ذكر هذا المقال..
--------------------
- المصدر: جريدة الرياض – العدد: 88099 – 6/8/1992م

بواسطة : admin
 0  0  912
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 04:15 صباحًا الجمعة 29 مايو 2020.