• ×

04:17 صباحًا , الجمعة 21 يونيو 2019

حامل راية التنوير.. سادن الأساطير.. المطالب بحرية التعبير

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image


عبدالله المدني.

هي شخصية حفرت اسمها في تاريخ الصحافة السعودية عموماً، وصحافة المنطقة الشرقية خصوصاً، على غرار المرحومين يوسف الشيخ يعقوب صاحب «الفجر الجديد» وسعد البواردي صاحب «الإشعاع». إنه الأستاذ عبدالكريم بن عبدالعزيز الجهيمان، الشخصية الموهوبة التي كتبت البحث والمقال والقصيدة، وعملت في التعليم والقضاء والصحافة والطباعة والأدب والنقد وتأليف المقررات المدرسية، وقادت الجهود التنويرية الأولى بدفاعها عن حق المرأة في التعليم، وتسخيرها الصحافة للنقد البناء. وفي هذا السياق نستشهد بما كتبه الباحث عبدالله العبدالمحسن عنه في مجلة «القافلة» (سبتمبر/‏ أكتوبر 2012) من أنه «علامة فارقة في الحياة السعودية. فقد كان رائداً حقيقياً من رواد الصحافة، وعموداً من أعمدة الكلمة، في الوقت الذي يقف فيه سادناً للأساطير، وحاملاً لشعلة التنوير، ومدافعاً عن حرية التعبير».
تقول السيرة الذاتية للجهيمان إنه ولد في 1912 ببلدة الغسلة الواقعة على بعد 5 كلم من مدينة شقراء، لأبوين منفصلين الأمر الذي تسبب في أن يعيش طفولته متنقلاً بين بلدة والده وأعمامه (غسلة) وبلدة والدته وأخواله (الوقف) وكلتاهما في إقليم الوشم. عن طفولته والبيئة التي ترعرع فيها كتب إبراهيم الشتوي ما مفاده أن الجهيمان نشأ ما بين بلدتين لا يفصلهما إلا وادٍ كبيرٍ اسمه العنبري، وتعتمد في معيشتها على الفلاحة وتربية الماشية، بينما قلة من أهلها تعتمد في حياتها على نقل الأحمال من مكان لآخر فسموا بـ «الجماميل». ويضيف الشتوي قائلاً: «كان جده لوالده من كبار الفلاحين في غسلة، وعاش والده فترة من الزمن يعمل مع جده في الفلاحة ثم انفصل عنه ليعمل في الجمالة». كما يخبرنا «كان عمره عندما تزوجت أمه زواجها الثاني 3 أو 4 سنوات وهي ابنة لأحد الفلاحين تطعمه وتسقيه ثم تتركه في المنزل وحده، وتذهب مع رفيقاتها لجمع الحشائش من الصحراء أيام الربيع من أجل الحيوانات التي تخرج الماء من الآبار لري المزروعات. لذا كانت حياته في طفولته كلها حركة وحرية وانطلاق».
أما تعليمه فقد بدأه في كتاتيب بلدته في سن السادسة، بلا كتاب او ورق او قلم، بل عن طريق صناعة «ألواح عريضة تنوب عن الأوراق مطلية بمادة جيرية يكتبون عليها، فإذا ما حفظوا ما عليها محوه وعادوا يطلونه بتلك المادة الجيرية من جديد»، طبقاً لما كتبته الأكاديمية السعودية د. جنان التميمي في مجلة المجلة (19/‏2/‏2014). وفي 1925 انتقل الجهيمان وهو في سن 13 إلى الرياض للتعلم على يد بعض مشايخها، ثم سافر إلى الحجاز لمواصلة العلم على يد مشايخ الحرم المكي. بعد ذلك التحق في 1927 بالمعهد العلمي الذي كان قد أنشأه الملك عبدالعزيز كأول مدرسة حكومية نظامية في عهده، فقضى فيه ثلاث سنوات أهلته ليكون مدرساً.
حياته العملية بدأت بالالتحاق بسلاح الهجانة، قبل أن يزاول مهنة التدريس في مدارس مكة، وفي المعهد العلمي، وفي مدرسة تحضير البعثات. وفي 1930 تولى إدارة أول مدرسة للبنين في بلدة السيح بمنطقة الخرج، وفي العام التالي استدعاه ولي العهد آنذاك الأمير سعود بن عبدالعزيز إلى الرياض، مكلفاً إياه تدريس أبنائه. وفي السنوات التالية تولى الجهيمان أيضا تدريس أنجال الأمير عبدالله بن عبدالرحمن. وما بين هذا وذاك عمل الجهيمان أيضا في مجال القضاء في مكة والخرج، كما تولى إدارة التفتيش الإداري وإدارة التعليم الأهلي في وزارة المعارف السعودية. وحينما شكل الملك سعود الأول في 1960 ما اصطلح على تسميته بـ «حكومة الشباب»، التي تولى فيها الأمير طلال بن عبدالعزيز حقيبة المالية والاقتصاد الوطني، استدعاه الأخير وكلفه بإصدار مجلة «المالية والاقتصاد».
في كل المهام والوظائف التي انيطت به حرص الجهيمان أن يكون صوتاً للحق، ونصيراً للتنوير، وناقداً لأداء القطاعات الحكومية، لا من موقع المعارض بل من موقع المواطن الطامح لخير وطنه ومواطنيه. لذا لم يكن غريباً أن يصفه الأديب السعودي عبدالفتاح أبو مدين بأنه «شجاع وصادق وصريح لا يتملق».
ولعل الباحث في سيرة الجهيمان يجد تجليات ذلك بصورة أفضل في حكايته مع صحيفة «أخبار الظهران» التي ارتبط اسمه بها بل كانت سبباً في اعتقاله وتوقيفه. فما هي تفاصيل هذه الحكاية؟
في الفترة التي قضاها مدرساً لأنجال الأمير عبدالله بن عبدالرحمن، ارتبط الجهيمان بعلاقة مع تلميذه الأمير يزيد بن عبدالله بن عبدالرحمن الذي اصطحبه معه في رحلة إلى مصر ولبنان وإيطاليا وفرنسا وسويسرا وبلجيكا لمدة تقارب الأربعة أعوام ما بين 1949 و1953. ويبدو أن تلك الرحلة وما شاهده فيها من عجائب وغرائب لم تألفه عيناه، جعلته يتوق إلى رحلات أخرى مشابهة، لذا قرر الاستقالة من أجل القيام بسياحة في مشيخات وإمارات الخليج العربي، وبينما كان ماراً بالدمام في طريقه إلى تلك الإمارات حل ضيفاً على صديقه عبدالله الملحوق مدير مكتب أمير المنطقة الشرقية وقتذاك «سعود بن عبدالله بن جلوي». وفي هذا السياق يخبرنا د. عبدالرحمن الشبيلي في كتابه «إعلام وأعلام دراسات في الإعلام السعودي» أن الملحوق كان آنذاك قد أسس مع آخرين مطبعة حديثة باسم «مطابع الخط»، فاقترح على ضيفه أن يتولى إدارتها، مؤكدا له أنهم قد أبرقوا إلى ولي العهد الأمير سعود بن عبدالعزيز لأخذ الأذن في إصدار جريدة بالمنطقة الشرقية سوف تطبع في تلك المطبعة. وافق الجهيمان على العرض، انطلاقاً من إيمانه القوي بأن الصحافة هي الوسيلة الأسرع لنشر أفكار التنوير، وتشخيص مشكلات الوطن والمواطن من أجل معالجتها.
وهكذا ظهرت أول جريدة صادرة من المنطقة الشرقية، في 26 ديسمبر 1954 تحت اسم جريدة «الظهران»، وتولى فيها الجهيمان منصب مدير التحرير بينما ذهبت رئاسة التحرير إلى الملحوق. وسرعان ما غادر الملحوق الدمام إلى بيروت ليعمل ملحقاً بالسفارة السعودية هناك فآلت إدارة المطبعة ورئاسة تحرير الصحيفة إلى الجهيمان.
لاحقاً، وابتداءً من عددها السابع، تم تغيير اسم الجريدة إلى «أخبار الظهران»، علماً بأن الأعداد الأولى منها كانت تطبع في بيروت، لأن شركة مطابع الخط لم يكن لديها الاستعداد آنذاك لطباعة الصحف، فكانت مواد الصحيفة ترسل كاملة إلى بيروت لتطبع هناك، ثم صارت في وقت لاحق تصدر من الدمام كل نصف شهر مؤقتاً. ويخبرنا الأستاذ محمد عبدالرزاق القشعمي في مقال له بمجلة الواحة (17/‏10/‏2007) أن «أخبار الظهران» ظلت طوال الفترة من عددها الأول وحتى عددها الأخير الرابع والأربعين الصادر في 29/‏4/‏1957 تصدر مرتين في الشهر وأحيانا أربع مرات، بأربع صفحات على مقاس 58X40 سم، ويباع العدد بربع ريال، بينما كانت قيمة الاشتراك السنوي 12 ريالاً. ويضيف القشعمي (بتصرف) «تولى سكرتارية تحرير الجريدة فترة من الزمن سعود العيسى، وصدرت الأعداد الأربعة الأولى منها دون افتتاحية، وفي العدد الخامس كتب في الزاوية اليمنى من الصفحة الأولى مقال بعنوان (هذه الصحيفة) بقلم الجهيمان جاء فيه (إننا نمد يدنا إلى قرائنا الكرام ونعاهدهم على تحقيق رغباتهم العادلة التي هي رغبات كل مواطن يشعر بواجبه نحو وطنه العزيز وحكومته ومواطنيه، ولكننا نحب أن لا يفوت قراءنا الكرام أن الطفرة محال وأن كل مشروع - لكل كائن حي - لا بد أن يمر بأطوار يفرضها عليه ناموس الكون وتحتمها عليه ظروف الحياة …الخ)».
تقول د. جنان التميمي (مصدر سابق): إن الصحيفة في بداياتها «كانت ضعيفة هزيلة، ولكن النشأة العلمية التي نشأ عليها الجهيمان أكسبته ثقة بالنفس، وإقراراً بالقدرة على العمل والتقدم والنجاح، على الرغم من شح الموارد الثقافية وأمية المجتمع وبساطة الحياة. وصار يعنى بالموضوعات التي لها تأثير مباشر على الناس، فزاد اهتمام القراء بها، وبدأت تنمو وتكبر ويتسع توزيعها ويكثر قراؤها شيئاً فشيئاً». وتضيف (بتصرف): «على الرغم من تقدميته وريادته المبكرة على من حوله، فإن الجهيمان كان حريصاً على قيم المجتمع، حتى لو كانت هذه القيم قيوداً تثقل حرية الفرد. فهو يرى أن الإنسان في هذه الحياة لا بد أن يكون مقيداً بقيود دينية واجتماعية وسياسية، قد تفرض عليه سلوكاً ربما لا يكون راضياً عنه كل الرضا، وهو بين هذه القيود لا يعيش حراً طليقاً. وقد كتب الجهيمان في مذكراته رفضه التام لأي فكرة مختلفة لا تتناسب مع المجتمع المحافظ الذي تسوده قيم وأخلاق توارثها الخلف عن السلف. لكنه مع ذلك يوازن بين قيم المجتمع وتقاليده وما يطرحه من مقالات ترده للصحيفة. فما يكون سابقاً لأوانه يستبعده مباشرة، وأما ما كان مقبولاً ويعالج بعض الشؤون التي تحقق للوطن والمواطنين نقلة في طريق الحضارة والتقدم فإنه ينشره دون تأخر. وهو بذلك يرى أن السير المتواصل وإن كان بطيئاً فإنه يصل بك إلى أهدافك، بينما السرعة غير المتزنة وطرح الأفكار السابقة لأوانها، أو إلقاء الكلام على عواهنه دون تهيئة المجتمع لاستقباله قد تؤدي إلى عواقب سيئة، أو مخالفة تماماً للمطلوب».
وهذا يؤكد لنا أن الجهيمان لم يكن قط محسوباً على اي أيديولوجية سياسية يمينية أو يسارية، وإنما كان مثقفاً عربياً مستنيراً، وداعيةً من دعاة النهضة والتقدم عبر خطاب هادئ غير مستفز ومتسق مع ظروف بيئته. لكنه في الحقيقة لم يكن كذلك في شبابه المبكر طبقاً لما قاله عن نفسه في حوار له مع مجلة «أهلاً وسهلاً» (30/‏6/‏1995)، حيث اعترف أنه في أوائل شبابه لم يكن بذلك الهدوء والتوازن، بل كان شديد الحماس لمناصرة أي فكرة يؤمن بها سواء كانت دينية أم وطنية، وكان هذا الحماس يقوده في بعض الأحيان إلى مواقف محرجة مع بعض الجهات أو الشخصيات. ويقول إن الذي جره إلى ذلك أنه كان يؤمن بالفكرة التي تقول: «إذا أطعمت فأشبع وإذا ضربت فأوجع» ويقول: «كما أنني أؤمن بفكرة أخرى مفادها أن على المرء إذا أراد أن يكون لكلامه تأثيراً، فإن عليه أن يكون قوله حاراً جداً، أو بارداً جداً. وليحذر أن يكون كلامه فاتراً، فإنه إذا كان كذلك يمر على الآذان دون أن يشعر بفحواه أي إنسان».
وعلى الرغم من كل ما سبق ذكره عن نضجه السياسي مع مرور الأيام وحرصه على عدم التصادم مع الآخر أو مع الجهات الرسمية فإنه أغضب الأخيرة يوم أن نشر في «أخبار الظهران» مقالات تدعو إلى تعليم البنات، الأمر الذي تسبب في إيقافه عن العمل الصحفي وسجنه وإغلاق صحيفته. حيث ان تلك الدعوة كانت وقتذاك مخالفة للعادات والتقاليد السعودية. وقد تجلت دعواته تلك في مقالين نشرهما في صحيفته دون أن ينسبهما لنفسه، كان أولهما في 1955 بعنوان «حلوا هذه المشكلة الاجتماعية»، وثانيهما في 1956 بعنوان «نصفنا الآخر».
غير أن د. جنان التميمي (مصدر سابق) تأخذ على الجهيمان أنه لم يكن ينادي بتعليم المرأة من باب أنه حق من حقوقها كالرجل، وإنما من باب متطلبات تربية الأبناء وإسعاد الأزواج، وبالتالي فهو لئن استحق لقب «تقدمي» فإنه لا يمكن أن يوصف بالشخصية الليبرالية!
وعن ظروف المقال الذي أفضى به إلى المعتقل يقول الجهيمان في مذكراته (بتصرف): «في يوم من الأيام جاءني مقال بتوقيع محمد بن عبدالله، وكان موضوعه هو تعليم الفتيات، وقرأت المقال فرأيته معتدلاً. إنه يدعو إلى تعليم الفتيات كما يتعلم الصبيان، فالفتى المثقف لا يريد إلا فتاة مثقفة حيث يقرب التعليم بين مفاهيمها ومفاهيمه في سبيل الحياة، ويكون لديها القدرة الكافية لتربية أولادها تربية صحيحة تتناسب مع العصر الذي يعيشون فيه، وبهذا نحول بين شبابنا وبين الزواج بالأجنبيات، لأن شبابنا المتعلمين بدأوا يعزفون عن الزواج بالفتيات الجاهلات، وإذا استمر الوضع كما هو فإنه سوف يأتي يوم لا تجد فتياتنا من يتزوجهن، واستمر المقال يضرب على هذا النغم، فاقتنعت به ونشرته في الصحيفة على مسؤوليتي، وعندما قرأه المسؤولون استغربوا نشره، وسألوني عن كاتب المقال فقلت: إن اسمه محمد بن عبدالله. فقالوا: ومن محمد بن عبدالله؟ فقلت: إنني لا أعرفه شخصياً، ولكن هذا المقال جاءني بهذا الاسم في وقت متأخر فاقتنعت بفكرته فنشرته على مسؤوليتي دون أن أعرضه على الرقابة. فقالوا: إما أن تدلنا على كاتب المقال وإلا كنت المسؤول عن جميع ما ورد فيه. فقلت ما دام الأمر كذلك فأنا المسؤول، وكانت النتيجة أن أوقفت عن العمل، وأوقفت الصحيفة عن الصدور، وحبس رئيس تحريرها في غرفة منفردة طولها مثل عرضها 4X4 أمتار، وفيها شباك واحد أغلق بإحكام (..). وقد بقيت في هذه الحجرة 21 يوماً (..)، وكان النوم يأخذ من وقتي أطوله، لأني كنت واثقاً من براءتي. كما كنت مؤمناً بعدالة حكومتي التي تحكم الشرع الشريف الكافل لسلامتي وكرامتي (..)، وهكذا حصل فلم أشعر ذات يوم إلا بالجندي يفتح لي الباب فجأة، ويقول لي: خذ فراشك واذهب إلى أهلك».
ورداً على ما كتبه فاسيلييف في كتابه «تاريخ المملكة العربية السعودية» من أن الجهيمان جلد قبل إيداعه السجن، نفى الأخير هذه الرواية نفياً قاطعاً.
ويعتقد الكثيرون، ومن بينهم من أرخوا لتاريخ الصحافة السعودية كالأستاذ القشعمي، أن إغلاق «أخبار الظهران» وحبس رئيس تحريرها لم يكن فقط بسبب دعوتها إلى تعليم البنات، وإنما أيضا لخطها السياسي القومي في زمن عربي مضطرب. ويمكننا أن نستمد الدليل من المانشيتات وعناوين بعض المقالات التي دأبت الصحيفة على نشرها وجلها كانت تنتقد الاستعمار والغرب، وتشيد بالاتحاد السوفيتي، وتهاجم حلف بغداد والدول الإسلامية المشاركة فيه، بل وتناشد بإبعاد العراق عن الجامعة العربية، وتطالب بالوحدة العربية كسبيل للخلاص من مؤامرات الاستعمار، وتمتدح الرئيسين عبدالناصر وشكري القوتلي.
بعد توقف صحيفته عن الصدور عاد الجهيمان للكتابة عبر صحيفة «اليمامة» أي عند زميل دراسته في المعهد العلمي ورفيقه في الأسفار الشيخ حمد الجاسر، بل كان يتولى إدارة «اليمامة» أثناء غياب الجاسر. كما كتب في صحيفة «القصيم»، متناولاً أهم القضايا الاجتماعية والاقتصادية بجرأة، ومطالباً بحماية المستهلك وتأسيس جمعيات لمساعدة الفلاح على تصريف إنتاجه وإنشاء وزارة للشؤون الاجتماعية.
وطبقاً لما كتبه القشعمي (مصدر سابق)، فإن الجهيمان أصدر في 1961 كتابا بعنوان «دخان ولهب» ضمنه مقالاته التي نشرها في «أخبار الظهران» مع توضيح منه حول فكرة الكتاب قال فيه: إنه جمع المقالات «لا لأنها تمثل أفكار كاتبها فحسب، ولكن لأنها تمثل أفكار الوسط الذي كان يعيش فيه، وتمثل أحاسيس أمتنا فيما كان يحيط بها من المشاكل وفيما كان يساورها من تحفزات إلى حياة كريمة يعيش الجميع في ظلها حياة متعددة الجوانب، يجد فيها كل مواطن طريقا لحياة سعيدة، ومفيدة».
خلاف «دخان ولهب»، أصدر الجهيمان مؤلفات أخرى مثل كتاب «رحلة مع الشمس» الذي يحكي فيه قصة رحلته حول العالم التي بدأت من الرياض وانتهت بالبحرين، وكتاب «ذكريات باريس» الذي تحدث فيه عن إقامته في باريس لمدة ستة أشهر في مطلع الستينات وما رآه فيها من نظام ورقي ونظافة وانتشار للتعليم، وكتاب «رسائل لها تاريخ»، وديوان «خفقات قلب». غير أن أشهر أعماله تجسد في «موسوعة الأساطير الشعبية في شبه الجزيرة العربية» المكون من 5 أجزاء، و«موسوعة الأمثال الشعبية» المكون من 10 أجزاء.
وعن هذين المؤلفين الكبيرين كتب عبدالله العبدالمحسن (مصدر سابق) قائلاً: «إن قناعته الواعية بقيمة الموروث الشعبي التاريخية، ورؤيته الموضوعية تكشف لنا سر اهتمامه بين معاصريه من الرواد بهذا الموروث، وبذله الوقت والجهد لجمعه وتنقيحه، وإنفاقه السخي لنشره. تلتقي قناعته تلك، ورؤيته المتقدمة بنظرة كبار العلماء والمختصين في الدراسات الفولكلورية، بل وتتطابق. فالجهيمان يرى أن هذا الموروث: (أصدق من التاريخ المكتوب، وأدق في رسم الحياة الاجتماعية، وأقدر على تكوين صورة وافية، فلن نجد أدق وأصدق من الأمثال، التي هي زبدة تجارب تلك المجتمعات، ولا أقرب إلى الصدق من الأساطير، التي هي فضاء خياله الرحب وأفق تطلعاته)».
وعبر عن هذه الرؤية مرة أخرى بقوله: «لست أعدو الحقيقة إذا قلت إن هذه الأمثال والأساطير هي التي تمثل التاريخ الصحيح لحالة البلاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. أما كتب التاريخ فأكثرها لا تخلو من الأهواء التي تطمس الحقيقة».
كتبت د. جنان التميمي (مصدر سابق) عن أسلوب الجهيمان في الكتابة فقالت: «يتسم أسلوب الجهيمان اللغوي بالبساطة والأصالة، البساطة من حيث تركيب الجمل، والأصالة من حيث الغذاء اللغوي الذي استمده من حفظ المتون وكتب التراث العربي في الأدب والشعر والعلوم الدينية». ثم برهنت على صحة ما تقول بعرض النموذج التالي المقتبس من مقدمة مذكراته: «مع ذلك الجهد الذي بذلته في هذه المذكرات فإنني لن أحاول خديعة القارئ الكريم. فالذي يتطلع إلى أن يجد في هذه المذكرات مباحث دينية فإنني أنصحه بأن لا يقرأها. ومن أراد مباحث فلسفية فإنني أصارحه أيضا بأنه لن يجدها. ومن أراد مخاصمات ومصادمات وآراء مبتكرة فإنه لن يجد لها ظلاً ولا أثراً. أما من أراد أن يجد صوراً من الحياة لعدة أجيال فليقرأ هذه المذكرات. ومن أراد أن يطلع على بعض تجاربي التي فيها الناجح وفيها الفاشل، فإنه سوف يجد بعضا منها. ومن أراد نقداً اجتماعياً يهدف إلى الارتفاع بمستوانا الحضاري، فإنه سوف يلمح بعض الإشارات والعبارات التي تهدف إلى ذلك».
قلنا إن الجهيمان دخل السجن لأسباب أوردناها فيما سبق، لكنه اعتقل مجدداً ولمدة أطول لسبب آخر هو اتهامه خطأً بتوزيع المنشورات. وقد تطرق بنفسه إلى هذا الموضوع في حوار مع «أحمد علي الزين» صاحب برنامج «روافد» في قناة العربية، حيث نفى علاقته بالشبكة التي كانت توزع المنشورات، موضحاً أن ما حدث هو عثور المحققين على كتاب «رأس المال» لكارل ماركس لديه، وأنه اشترى الكتاب من باب العلم بالشيء، خصوصاً وأن الكتاب المذكور كان «أحد كتب خمسة أحدثت تغييراً في شؤون العالم وأنظمة الحكم، فأحببت أن أقتنيه». وهكذا تمت تبرأته.
وفي البرنامج التلفزيوني ذاته قال الجهيمان عبارة بليغة لن تنسى هي «ثلاثة يخربون العالم.. نصف نحوي يخرب اللسان، ونصف متدين يخرب الأديان، ونصف طبيب يخرب الأبدان»
يخبرنا القشعمي الذي رافقه في بعض أسفاره (بتصرف) في مقال له بصحيفة عكاظ (28/‏10/‏2014) «كان يحرص على حمل حقيبة صغيرة بها أشياء لا تفارقه: نظارات شمسية، ساعة منبهة لتحديد مواعيد الصلاة والاستيقاظ، فرشاة ومعجون أسنان، ماكنة حلاقة كهربائية، حذاء بلاستيك، فرشات شعر، كريم لدهان وجهه ويديه، حلاوة (برميت)، كلونيا للتطيب يومياً، مقص أظافر، بعض الأدوية كالفيتامينات، وثوب، وبجامة للنوم، وفوطة صغيرة، وأول ما يصل لوجهته لا بد أن يتصل بأولاده ليطمئنهم. ثم يسأل عن مكان فيش الكهرباء لوضع مكنة الحلاقة. ومعرفة القبلة للصلاة، ويطلب علبة صغيرة لوضع أسنانه الاصطناعية فيها عند النوم».
من بعد رحلة عطاء طويلة، حصل خلالها على وسام الملك عبدالعزيز في مهرجان الجنادرية لعام 2001، ومن بعد سيرة حافلة تميزت بالإبداع مثلما تميزت بالتبرعات المالية السخية في سبيل الارتقاء بالأبحاث الجامعية، ومساعدة الطلبة المحتاجين على إتمام تعليمهم، وانشاء المدارس، والتخفيف على المسنين والمعاقين، انتقل الجهيمان إلى جوار ربه بمدينة الرياض في الثاني من ديسمبر 2011م.

صحيفة الأيام، ١٢ فبراير ٢٠١٦م.

بواسطة : admin
 0  0  1.7K
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 04:17 صباحًا الجمعة 21 يونيو 2019.