• ×

01:42 صباحًا , الجمعة 15 نوفمبر 2019

هوامش على ألف ليلة وليلة وأساطير الجهيمان 1 - 2

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
محمد القشعمي.

أعادني ما قرأته مؤخراً من ما تركه الراحل عابد خزندار من أعمال أدبية ستخلد ذكره وهو ترجمته لكتاب (أنثوية شهرزاد.. رؤيا ألف ليلة وليلة) عن الفرنسية، تأليف (ماري لاهي هوليبيك) مطلع القرن العشرين وقام بترجمته إلى العربية الراحل، وقدم له الدكتور عيسى مخلوف أستاذ الأدب العربي بجامعة السوربون بباريس وكتبت عن ذلك بمناسبة مرور أربع سنوات على وفاة الخزندار، أقول أعادني ما قرأته إلى ما قبل ستين عاماً عندما كنت طالباً بالمعهد العلمي بالرياض، وكنت مع والدي البصير أمسك بيده ونحن نمشي من القرية (معقرة) التي تسكن بها والدتي بالزلفي - التي كنّا في زيارتها صيفاً - إلى بلدة (العقدة)، حيث منزل والدي وزوجته الأخرى - رحمهم الله جميعاً - فكنا نخرج من القرية مع طلوع الشمس مشياً على الأقدام - قبل توافر السيارات - وكنت أحمل أحد أجزاء (ألف ليلة وليلة) وكنت لا أوفر وقتاً إذ كنت ألتهم الصفحات على مدى ساعتين ونحن نسير في الطريق رغم عدم استقامته وكثرة الأشجار التي تعترض طريقنا، وكثيراً ما نقع أو نصطدم بإحداها، وكان والدي يقرأ القرآن من صدره، ويسألني عندما يتوقف عن القرآن عن من نمر بهم أو عن ما يشغلني عن الطريق، فكنت أقول له: إنني أقرأ التاريخ - أحد مقررات المعهد - وكان يفاجئني أحياناً بطلب أن أسمعه شيئاً مما أقرأ فكنت أحتفظ بإحدى الورقات من المقرر داخل الكتاب.. مما ينقذني من عقوبته المنتظرة.
أقول إنني سبق أن قرأت ألف ليلة وليلة عام 1380هـ / 1960م أو قبلها بقليل.. ولكن ما قرأته مؤخراً مما ترجمه الخزندار شجعني للعودة إليها مرة أخرى، فتوكلت على الله، وخصصت وقتاً لقراءتها فوجدت في مقدمتها أن سير الأولين صارت عبرة للآخرين لكي يرى الإنسان العبر التي حصلت لغيره فيعتبر.
وقال إنه في قديم الزمان وسالف العصر والأوان ملك من ملوك ساسان بجزائر الهند والصين صاحب جند وأعوان، وكان له ولدان الأول اسمه شهريار والثاني شاه زمان، وكل منهما يحكم مملكة في سمرقند العجم.
فأراد شهريار أن يزور أخاه، فسافر وفي منتصف الطريق تذكر حاجة نسيها في قصره، فعاد ليجد زوجته راقدة في فراشه معانقة عبداً أسوداً.. فضرب الاثنين بالسيف فقتلهما في الفراش.. فقرر بعد ذلك ألا يثق بمن سيتزوجها، بل يقتلها آخر الليل.. وهكذا أصبح كل ليلة له زوجة جديدة ينهي حياتها بعد أن يفتضها. فلم يبق في البلدة من سيتزوجها شهريار سوى شهرزاد ابنة وزيره التي طلبت من والدها أن يقدمها لشهريار لتفتدي بنات جنسها ولتحاول أن تُقوِّم سلوكه وتثبت له عكس ما يعتقد.
بدأت شهرزاد علاقتها بشهريار بطلب السماح لأختها (دنيازا) لتوديعها، وليسمح لها بتأجيل الموت إلى اليوم التالي، عندما تحضر أختها.. وعندما تحضر أختها تطلب من شهرزاد أن تحكي لهما واحدة من الحكايات الجميلة التي تجيد إلقاءها.. وتستأذن الملك، وبعد موافقته تبدأ في سلسلة قصصها، وحين تصل إلى المكان المناسب تعلق قصتها لتستأنفها في اليوم التالي لوجود مفاجآت أفضل مما روت من قبل، ولهذا فقد فازت من شهريار بالتنازل عن يوم جديد.. فتمتدح أختها ما سردته فتجيبها - والملك يسمع - بأن ما سأقصه عليكما في الليلة القادمة أفضل مما سبق إذا ما زلت على قيد الحياة.. ولكن إذا سمح بذلك الملك الرفيع ذو الأخلاق الحميدة.. فيهمس الملك لنفسه مستجيباً لداعي الفضول: «والله لن أقتلها حتى أستمع إلى بقية الحكاية..».
تبدأ قصتها باللازمة التالية المتكررة «بلغني أيها الملك السعيد» وتختمها باللازمة التالية: «وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح»، وعندما تنهي قصة ما، وقبل البداية بالأخرى تقول اللازمة التالية: «وعاشا في ألذ عيش إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات..».
وقالت: «..إن لي حديثاً لو كتب بالإبر على أماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر»، وعندما يطلب منها الإعادة لموضوع شد انتباهه تقول له: ليس في الإعادة إفادة.. فهناك ما هو أهم فيزداد شوقاً لما ستقوله. ولما بلغت الليلة 176 قال الملك: «لقد زهدتني يا شهرزاد في ملكي وندمتني على ما فرط مني في قتل النساء والبنات..».
وكثيراً ما يتخلل القصص الأمثال المفيدة من شعر ونثر، مثل:
وما من كاتب إلا سيفنــــى
ويبقي الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بخطك غير شيء
يسرك في القيامة أن تراه
*** *** ***
وسرائر سري ترجمان سريرتي
إذا كان سر السر سرك في سري
«لا تتكلم فيما لا يعنيك تسمع ما لا يرضيك» و«لا تخبر عما لا تسأل عنه، ولا تجب إلى ما لا تدعى إليه، وذر الذي لا يعنيك إلى ما يعنيك، ولا تبذل النصيحة للأشرار فإنهم يجزونك عليها شراً» و«الحذر نصف الشطارة»، و«من لم يفكر في العواقب لم يأمن المعاطب» و«الصديق الشفيق خير من الأخ الشقيق» و«حسن الظن من شيم الكمال وعاقبة النجاة من الأهوال» و«لا تؤاخ الجاهل الفاجر فإنه يشينك ولا يزينك، ولا تؤاخ الكذاب فإنه إن بدا منك خير أخفاه وإن بدا منك شر أفشاه».
ومع نهاية ليلة (ألف ليلة وليلة) كانت شهرزاد في هذه المدة قد خلفت من الملك ثلاثة ذكور، فلما فرغت من الحكاية قامت على قدميها وقبلت الأرض بين يدي الملك وقالت له يا ملك الزمان وفريد العصر والأوان: إني جاريتك ولي ألف ليلة وليلة وأنا أحدثك بحديث السابقين ومواعظ المتقدمين فهل لي في جنابك من طمع حتى أتمنى عليك أمنية؟ فقال الملك: تمني تعطي يا شهرزاد فصاحت على الدادات والطواشية وقالت لهم هاتوا أولادي فجاؤوا لها بهم مسرعين وهم ثلاثة أولاد ذكور واحد منهم يمشي وواحد يحبو، وواحد يرضع. فلما جاؤوا بهم أخذتهم ووضعتهم أمام الملك وقبلت الأرض وقالت: يا ملك الزمان إن هؤلاء أولادك وقد تمنيت عليك أن تعتقني من القتل إكراماً لهؤلاء الأطفال، فإنك إن قتلتني يصير هؤلاء الأطفال من غير أم ولا يجدون من يحسن تربيتهم من النساء، فعند ذلك بكى الملك وضم أولاده إلى صدره وقال: يا شهرزاد إني قد عفوت عنك من قبل مجيء هؤلاء الأولاد لكوني رأيتك عفيفة نقية، وحرة تقية.. إلخ.
بعد أن استمتعت بقراءتي الثانية لألف ليلة وليلة تذكرت ما كتبه أستاذنا الراحل عبدالكريم الجهيمان من أساطير سمّاها (أساطير شعبية من قلب جزيرة العرب)، وسبق أن قرأت بعضها فعزمت على إعادة قراءتها هي الأخرى، ولكن قبل ذلك سنرى تأثير ألف ليلة وليلة في مثقفي العالم كمصدر مهم في القص والخيال، ولنترك مؤلف (الخيميائي) لباولو كويلو صاحب الكنز الذي ورد في ألف ليلة وليلة وغيرها وسنكتفي بما قاله ثلاثة أدباء من روسيا والأرجنتين وكولومبيا:
- بورخيس، (1899-1986م) الأديب الأرجنتيني
قال إنه تأثر بالقصص وذكر من ضمنها قصص ألف ليلة وليلة ترجمة لين. وقال إنه كتب وألف كتاباً للحكايات الشرقية على طريقة، ألف لية وليلة.
- تولستوي (1828-1910م) الأديب الروسي. قال عن الكتب التي أثرت فيه قال: إنه كان معجباً منذ طفولته بقصص (ألف ليلة وليلة) وكان يعيد قراءتها بصفة مستمرة، وذات مرة سمع الراوي يحكي إحداها لجدته.
- ماركيز (1943-2014م) الكاتب الكولومبي يقول إنه استطاع أن يقرأ أول كتاب وجده في خزانة معفرة في مستودع البيت، وكان مفككاً وغير مكتمل، ولكنه انجذب إليه، وبعد سنوات عرف أن ذلك الكتاب هو (ألف ليلة وليلة) وأكثر قصة أعجبته هي أقصر القصص وهي: «صياد يعد جارته بأن يهدي إليها أول سمكة يصطادها إذا ما قدمت له قطعة رصاص، من أجل الشبكة، وعندما تشق المرأة السمكة كي تقليها، تجد في داخلها ماسة بحجم حبة لوز..» وقد سأله أحد المدرسين عند الفحص لدخول المدرسة ما هي الكتب التي قرأها: ذكر من بين ما قرأ (ألف ليلة وليلة) و(الكيخوته) و(كنز الشباب) ولهذا فقد سجل في الصف الرابع الابتدائي.. وقال إنه تعلم من ألف ليلة وليلة ما لن ينساه أبداً، وقال: «إنه يجب أن نقرأ فقط الكتب التي تجبرنا على أن نعيد قراءتها..».
وبعد ذلك ما كتب عنها في بعض الموسوعات، ومنها (الموسوعة العربية الميسرة) ط1، 1960م – ص203 إشراف محمد شفيق غربال.
ألف ليلة وليلة مجموعة منوعة من القصص الشعبي العربي بلغة بين الفصحى والعامية يتخللها شعر مصنوع أكثره مكسور ركيك في نحو 1420 مقطوعة، وقال إنها طبعة الأولى في كلكتا ثم بولاق بمصر، ثم كلكتا الثانية، ثم برسلاو وأخيراً بولاق الثانية، وكلها حديثة لا ترجع إلى أقدم من أول القرن 19 مما جعل البحث في أصلها عسيراً للغاية.
ولكن ابن النديم قد ذكر أنها مترجمة من أصل بهلوي اسمه (الهزارافان) أي (الألف خرافة). وقال إن الكاتب الفرنسي أنطوان جالان ترجمها بتصرف، وقد ذاعت في أوروبا وترجمت عن جالان مراز طوال القرن 18.
وقال إن بعض قصصها ذات أصول هندية قديمة معروفة أو منها ما هو مأخوذ من أخبار العرب وقصصهم الحديثة نسبياً.. إلى أن قال كاتب الموضوع: «.. وما زالت الليالي عند الغرب تدل على كثير من خيال الشرق وسحره، ومازال عند العرب كتاباً من كتب العامة».
أما (الموسوعة العربية العالمية) ط1، ج2، 1416هـ / 1996م، ص554 فتقول: «ألف ليلة وليلة مجموعة من الحكايات التي روتها شخصية تسمى شهرزاد للسلطان شهريار، وشهريار ملك عاين خيانة زوجته فتحول إلى سفاح يأخذ بكراً كل ليلة ويفترعها، ثم يقتلها من ليلتها، حتى ضج الناس وهربوا ببناتهم، ولم يبق في تلك المدينة إلا شهرزاد ابنة الوزير..» وكانت قد قرأت كثيراً من كتب التاريخ والسير والشعر..
«.. فقالت لأبيها زوجني هذا الملك، إما أن أعيش، وإما أن أكون فداء للبنات وسبباً لخلاصهن.. وكانت تقص عليه كل ليلة حكاية، ثم تسكت عندما يدركها الصباح عند موقف مشوِّق، مما جعل السلطان يستبقيها لسماع حكاياتها الباقيات..»، «.. وتعود أقدم مخطوطة وصلت إلينا من ألف ليلة وليلة إلى القرن الحادي عشر الهجري، وقد كتبت بلغة أقرب للعامية ومسجوعة أحياناً.. ولم يعرف لها مؤلف، ولذلك عدّت أدباً شعبياً.. ويشكل انتصار الخير والشر محوراً أساسياً في هذه الحكايات التي تكتظ بأجواء السحر وعوالم الجن... وقد اهتم بها الباحثون، وكتب حولها عديد من الدراسات الجامعية مثل: أطروحة الدكتورة سهير القلماوي، التي أشرف عليها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وأطروحة فريال غزول، التي أشرف عليها تودوروف».
المصدر:مجلة اليمامة تاريخ: 2-5-2019

بواسطة : admin
 0  0  151
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 01:42 صباحًا الجمعة 15 نوفمبر 2019.