• ×

05:13 مساءً , الأربعاء 16 أكتوبر 2019

الجهيمان رائد التنوير في بلادي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

إذا كان رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873م) أول عين لنا رأت الحضارة الغربية الحديثة وشاهد بل وطالب بالانتقال من حقبة الجمود إلى عصر اليقظة والتجديد وكانت اجتهادات الطهطاوي ومقالاته ومترجماته من الفرنسية إلى العربية سواء في مدرسة (الألسن) بعد عودته من باريس أو من خلال صحيفته (الوقائع المصرية) وغيرها ، فقد كانت آراؤه نقطة الانطلاق التي أمسك الجميع بخيوطها وعيونهم على المستقبل كما يقول الدكتور محمد عمارة في كتابه الجديد (رفاعة الطهطاوي رائد التنوير في العصر الحديث) .
فرفاعة الطهطاوي ذهب إلى باريس عام 1241هـ 1826م كإمام ومرشد ديني للبعثة الطلابية المصرية الأولى التي أرسلها محمد علي لتلقي العلوم الحديثة بفرنسا ، ومما ألفه من الكتب خلاف مترجماته الكثيرة- كتابه الشهير (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) والذي اشتمل على وصف الحياة الاجتماعية والعلمية في فرنسا وصفاً دقيقاً ومفصلاً .
ومثله فعل أستاذنا عبد الكريم الجهيمان (1330هـ/1911م) بعد 125سنة إذ سافر كمرشد ديني و(مطوع) للأمير يزيد بن عبد الله بن عبد الرحمن آل سعود.
ففي عام 1371هـ /1951م ذهب الأمير بقصد العلاج وتبعه أستاذه الجهيمان الذي بقي معه قرابة السنة حيث أخذ شيئاً من اللغة الفرنسية وتعلم قيادة السيارة واختلط بمختلف فئات الشعب من علماء وغيرهم ، وتعرف على شخصيات عربية بارزة وألف هناك ولأول مرة كتابه (ذكريات باريس) والذي تأخر نشره حوالي ثلاثين عاماً .
ولهذا نجد رفاعة الطهطاوي يصف الحياة العلمية في فرنسا قائلاً :
\".. والعلوم في مدينة باريس تتقدم كل يوم فهي دائماً في الزيادة ، فإنها لا تمضي سنة إلا ويكشفون شيئاً جديداً فإنهم قد يكشفون في السنة عدة فنون جديدة أو صناعات جديدة أو وسائط أو تكميلات ..\" ، وقال أنه يندر وجود إنسان في باريس لا يكون تحت ملكه شيء من الكتب فيتمنى مثل ذلك في مصر حتى تنتعش الحالة الثقافية .
كما وصف الحياة الاجتماعية في فرنسا آنذاك فقال يصف عادات الطعام والشراب : \"..فيعطى لكل انسان في صحنه شيء يقطعه بالسكين التي أمامه ، ثم يوصله إلى فمه بالشوكة لا بيده..\" وقال ان أحدهم لا يستعمل أدوات غيره ، وقال انهم لا يستعملون صحون النحاس للأكل فهي مخصصة فقط للطبخ ، أما الأكل فمخصص له صحون مطلية ، وذكر أن للطعام مراتب معروفة فأول افتتاحهم الطعام يكون بالشوربة ثم بعده اللحم ثم بكل نوع من أنواع الأطعمة كالخضروات والقطورات (هكذا) ثم بالسلطة ثم يختمون أكلهم بالفواكه ثم بالشراب المخدر [المسكر] ، إلا أنه استدرك قائلاً :\"..إلا أنهم يتعاطون منه القليل\" ثم بالشاي والقهوة وقد وصف باريس في جدها وهزلها وعملها ولهوها ، ووصف المسرح الفرنسي وما يدور على خشبته من تمثيليات .. كما وصف الصحف وأنواعها وأصنافها وتخصص بعضها في الطب وبعض أمور المملكة .
كما شرح وسائل النقل والبريد وترقيم المنازل ...الخ .
أما الجهيمان فنجده يصف ما شاهده وأذهله في باريس فنجده يبتدأ بالحديث عن العادات والأخلاق .. فمن دور السينما ووسائل المواصلات والحدائق ، وعن الزحام المنظم والطوابير وأن من يشذ عن هذه القاعدة أو يتناساها لوجهت إليه النظرات والازدراء ولرموه بالجهل والهمجية وفقدان الشعور والحساسية .. وقال إن الوقت له قيمته وإنهم قد استثمروا ما كنا نقولـه في أمثالنا (الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك) فهم جميعاً يعرفون قيمة الوقت ويحافظون عليه فلا يضيعون منه شيئاً في غير فائدة علمية أو فائدة جسمية أو فائدة مادية ..
كما تحدث عن أدب الحديث فلا يمكن أن يحدثك باريسي بأمر إلا بدأ حديثه بـ(من فضلك) وإذا أسديت له إرشاداً أو اشتريت منه شيئاً فدفعت قيمته قال لك (شكراً) .. وقال: إن ألفاظ السباب والشتائم لا تكاد تجري على ألسنتهم وكل ما يستطيع أن يوجهه إلى من يسبه أن يقول لـه (أنت قطعة خيار صغيرة) وقال إن أوقاتهم كلها محدودة ، فهناك وقت عمل ، وهناك وقت الأكل ، ثم وقت النزهة ، فوقت النوم ولا تستطيع أن تقابل شخصاً إلا بميعاد ..
إن الغربيين ليسوا أكثر من الشرقيين ذكاء لكنهم أكثر منهم صبراً
ومثابرة .. هم لا يعملون لليوم ولكنهم يعملون للغد .. أما الشرقي فإنه ذكي ولكنه عجول ملول يعمل ليومه ولا ينظر إلى غده ، وأغلب أعماله مرتجلة وليست وليدة تفكير ودراسة ... والناس أمام القانون سواسية لا فرق بين كبير وصغير ، ومن أخطأ فعليه أن يدفع ما ينشأ من أضرار نتيجة أخطائه ، ولا يعذر الإنسان بجهله بالقانون أو نسيانه إياه . ومع ذلك تجد الباريسيين يحترمون الغرباء سواء من البوليس أو الحكومة أوالأهالي ، وهم متسامحون يحبون السائحين ويرحبون بهم ويرون فيهم مورداً من موارد رزقهم .
وعن الاهتمام بالرفق بالإنسان والحيوان يذكر أن هناك جمعيات كثيرة مبثوثة في طول البلاد وعرضها لمراقبة ملاك الحيوانات في حسن معاملتها .. وعن معاملة الطفل فإذا قسا هذا الوالد على أولاده فهناك من يرشده إلى الطريقة المثلى التي يجب عليه أن يسلكها .. وعن النظافة والمحافظة على الجمال فيقول إن الشوارع مسفلتة لا ترى فيها غباراً ولا تراباً ولهم طريقة خاصة بالسفلتة فإنهم حين يسفلتون الشوارع يجعلون وسط الشارع محدباً ثم يتحدر قليلاً قليلاً ذات اليمين وذات الشمال حتى ينتهي الانحدار إلى الرصيف ... وعن المجاري وأماكن قضاء الحاجة ونظافتها .. فقال إنك تدخلها فلا تشم فيها رائحة كريهة أو ترى فيها منظراً متقزز منه ، بل إن هذه الأمكنة قد سلط عليها المياه بشكل مستمر الجريان لتجر في طريقها الأوساخ فلا ترى ذباباً ولا ناموساً ولا شيئاً من الحشرات
المؤذية .. أما القمائم فتجمع في صفائح مخصوصة ، فإذا جاء الصباح أخرجوها عند أبوابهم في الشوارع فتمر سيارات خصصت لهذه الأشياء فتحملها وتترك الأوعية في أمكنتها .
وقال إن حب الوطن أمر مطبوع في النفوس .. فكل مواطن يرى لزاماً عليه أن يفدي وطنه بماله وأهله ونفسه وشعار كل مواطن (ليمت الأفراد وليحيى الوطن) .
ويذكر : إنك لا تجد في فرنسا أمياً واحداً فقد احتفلت الحكومة قبل 26 عاماً بتشييع جنازة آخر أمي في البلاد . وقال إن التعليم إجباري إلى سن الرابعة
عشره ، وذكر أحد الشباب السعودي المتواجد وقتها كطالب علم في باريس وهو محمد خوقير شقيق الدكتور عصام خوقير طبيب الأسنان والكاتب المشهور قبل سنوات . وأنه كان يسير مع أحد معارفه فلم يعرفوا عنوان من يقصدوه فعرضعوا العنوان على أحد الكناسين في أحد الشوارع فدلهم عليه ..
وذكر أن الشباب الفقراء الذين لا يستطيعون نفقات التعليم فإن الحكومة الفرنسية تتكفل بإدخالهم مدارس صناعية حسب ميولهم .. فيصبح المواطن بعد تعلمه عضواً عاملاً في المجتمع الإنساني يفيد نفسه ويفيد بلاده ولا يكون عالة على غيره ..
وحتى الطفل لـه حقوق وواجبات فهم يعودوه منذ صغره على الاستقلال فمنذ المهد له حجرته وسريره الخاص وله ميعاد ليتناول وجبته . وله ميعاد لنومه .. وميعاد لاستيقاظه فإذا كبر وترعرع عودوه على الاستقلال بنفسه فله حجرته وألعابه وتفكيره الخاص .. فإذا بكى الطفل لسبب يمكن تنفيذه نفذوه ، وإذا لم يكن في الاستطاعة رفضوه ، فيتركونه حتى يسكت من تلقاء نفسه .. فقال \" .. فإذا رأى الطفل أن بكاءه لا تأثير لـه على والديه توقف عن استعماله وعرف أنه سلاح لا يجدي وحيلة لا تسمن ولا تغني من جوع \". وقال إنهم لا يخوفونه بالعفاريت ولا بالوحده أو بالظلام ولذلك تجد الطفل له شخصيته المستقلة .
وتطرق في حديثه لوصف تفصيلي للمدينة الجامعية ولجامعة السوربون والتي أنشئت في القرن الثالث عشر الميلادي وعن كلياتها ومن تخرج منها من العظماء والمفكرون ، وعن الجرائد والمجلات وتأثيرها في تثقيف الشعب وتعليمه وتعريفه بما يقع في بلاده وخارجها من حوادث وأخبار ومن اختراعات ومستحضرات طبية وما إلى ذلك ، وقال إن في باريس وحدها ما ينوف على مائة جريدة ومجلة منها الصباحية ، ومنها المسائية وفيها الأسبوعية والشهرية .
وذكر أنك ترى الفلاح في مزرعته والعامل في معمله ، وفي يديه جريدته يقرأ فيها ما يهمه .
وعن الأيام الوطنية والاحتفالات فحدث عنها ولا حرج ! وحتى شكل الحكومة ونوعها قال عنها : كانت ملكية ثم بعد الثورة صارت جمهورية ، فالشعب ينتخب نواباً لمدة أربع سنوات والنواب بدورهم ينتخبون رئيس الجمهورية لمدة سبع سنوات .
وعدد الوزارات الموجودة حتى عام 1371هـ ، ثم استعرض آثار باريس المشهورة مثل (برج إيفل) و(المسجد الجامع) و(قبر نابليون) ولمحة عن حياته و(الأوبرا) و(كنيسة نوتردام) و(قصر فرساي) و(متحف اللوفر) و(متحف الشمع) و(قصر شيو) ، ثم تطرق لأشهر الشوارع والميادين مثل : ساحة الكونكورد والجندي المجهول ، وساحة الباستيل ، وشارع الشانزلزيه والجيش الكبير . وأحياء باريس القديمة ، وطرق المواصلات ، وغابة بولونيا ، وفي دوفيل .. وبعد أن استعرض أهم المعالم والمظاهر وعلى مدى مائة صفحة جاء إلى فصل آخر في الكتاب وهو (شخصيات قابلهم) .. سمو الأمير (الملك) فيصل بن عبد العزيز ، الأمير محمد بن عبد العزيز ، والدكتور رشاد فرعون السفير السعودي وقتها -وطبيب السعوديين البروفيسور ليفسور ، والأستاذ محمد التابعي ، وصلاح ذهني ويونس بحري ، وهو الذي قدم لكتابه (ذكريات باريس) . وفي آخر الكتاب تطرق بشكل مختصر إلى بلدان أخرى مرّ بها في طريق عودته ، وهي بلجيكا وهولندا وسويسرا وإيطاليا ..
وثمة مقارنة أعقدها هنا بين الرجلين (الطهطاوي والجهيمان) في رحلتيهما الباريسيتين ، وفي أمور تشابها بها في ظروف حياتهما :
الطهطاوي الجهيمان
1- التعليم الديني بالأزهر التعليم الديني بالمعهد السعودي الإسلامي بمكة
2-السفر لباريس كعالم ديني السفر لباريس كعالم ديني
3- المطالبة بتعليم المرأة المطالبة بتعليم المرأة
4- رئاسة لتحرير الوقائع المصرية وغيرها رئاسة لتحرير أخبار الظهران وغيرها
5- قفل مدرسة الألسن والنفي للسودان قفل صحيفته والسجن لمطالبته بتعليم المرأة
6- التأليف عن باريس التأليف عن باريس
7- العمل في مجال التربية والتعليم العمل في مجال التربية والتعليم
أما تشابههما في مجال هاتين الرحلتين ، فيظهر في انبهارهما بالتقدم والتطور بما شاهداه في باريس ، ومحاولة نقل ذلك إلى مجتمعيهما ، فيضاف إلى انبهارهما قدرتهما على تجاوز الصدمة الحضارية إن جاز التعبير- بالانتقال من مجتمع محافظ بدائي إلى مجتمع متقدم .
وقد سألت الأستاذ الجهيمان مساء يوم الإثنين 27/4/1428هـ الموافق 14/5/2007م . عن معرفته برفاعة رافع الطهطاوي وهل قرأ له قبل تأليفه كتابه (ذكريات باريس) فنفى ذلك واستدرك قائلاً :\"إنه سمع به وعرف أنه قد ذهب مع البعثة الطلابية أو مع عدد من أفراد الجيش المصري إلى باريس كمرشد ديني وقد أصبح له شأناً بعد ذلك ، وسمع أنه ألف كتاباً عن باريس سماه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) ولكنه لم يطلع عليه ..
وكذا سألته عن زكي مبارك فقال : \"قل الدكاترة زكي مبارك .. فقد سمعت أنه كتب ذكرياته هناك وسماه أيضاً (ذكريات باريس) وقد سميت كتابي بالاسم نفسه ؛ فكل له طريقته ولكل واحد منا له أسلوبه\" .
وهكذا عاد الجهيمان إلى المملكة فبدأ العمل من أجل تغيير الحياة الاجتماعية وتوعية المجتمع ليلحق بالركب ، فبدأ أولاً بإصدار جريدة (أخبار الظهران) في المنطقة الشرقية عام 1374هـ / 1954م واستمرت بالصدور ثلاث سنوات أوقفت بعدها لمطالبته بتعليم البنات . عاد بعدها للرياض ليواصل كفاحه عن طريق كل ما صدر بها من صحف ومجلات (اليمامة ، القصيم ، الجزيرة ، المعرفة ، المالية والاقتصاد) وغيرها إضافة لعمله في وزارتي المعارف والمالية ، ثم بمؤلفاته العديدة واهتمامه بأدب الطفل والأمثال والأساطير وغيرها ، فكأن ما دفع رفاعة رافع الطهطاوي دفع صاحبه الجهيمان ولو بعد حين .. ألا يستحق الجهيمان أن يكون مثل الطهطاوي في شهرته وعلمه !؟ .. ولنستعرض ولو سريعاً كتابه والذي سماه (ذكريات باريس) وقال في تقديمه كتبت هذه الذكريات نهاية عام 1371هـ الموافق 1952م . وطبعها النادي الأدبي بالرياض عام 1400هـ وقدم لها يونس بحري المذيع العراقي الشهير في إذاعة برلين أثناء الحرب العالمية الثانية . وقد أرخ مقدمته في 3 محرم 1372هـ . وقال : إنه اطلع على مسودة كتاب صديقه الأخ الأستاذ عبد الكريم الجهيمان (ذكريات باريس) وقرأه وأعجب به وقال : \".. فلقد حوى من الذكريات العطرة عن باريس كلّ ما يود الاطلاع عليه عشاق باريس وأصدقاؤها سواء في ذلك من شاهدها أو من لم يشاهدها ..\" واختتم مقدمته بقوله : والحق فإن ذكريات باريس كتاب ستفخر به المكتبة العربية لما فيه من شعر ونثر هو السحر الحلال الذي ينسجم مع جمال عاصمة النور باريس\".

محمد بن عبد الرزاق القشعمي

بواسطة : admin
 0  0  1.7K
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 05:13 مساءً الأربعاء 16 أكتوبر 2019.