• ×

05:13 مساءً , الأربعاء 16 أكتوبر 2019

حينما نحتفل بالرمز نحتفل بالإنسان

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
د. معجب الزهراني

حينما نحتفل بعبد الكريم الجهيمان فنحن نباشر شكلاً من أشكال الوفاء للرمز في الشخص وللمبدأ في الانتماء وللقيمة في الحياة وللريادة في الكتابة, فالشخص العادي يعيش ويموت بشكل عادي لينحصر أثره فيما تركه لمن بعده في دائرة علاقاته القرابية الضيقة.
أما الكاتب الذي يكرس حياته للقيم والمبادئ والمثل والطموحات الاجتماعية والإنسانية العامة فلا بد أن أثره يتسع ليشملنا ويتصل ليبقى فينا ولمن بعدنا وكأنه أثرنا المشترك وإرثنا المشترك.
وتزداد أهمية الأثر إذا ما عايناه في إطار زمنه وقرأناه في سياق انجازه وتداوله, هذا تحديداً ما يجعل كتابة بعض الأفراد من بعض الأجيال تكتسب كل معاني الريادة مهما كانت تبدو متواضعة في أزمنة لاحقة فما بالك إذا كانت معانيها وقيمها الفكرية حية متجددة باستمرار كما هي حال كتابة الجهيمان التي نحتفل بها وبه هذا المساء, فكاتبنا ينتمي الى الجيل الأول من تلك النخب الوطنية التي مثلت ثقافة الداخل المختلفة عن ثقافة المدن الحجازية والمتخلفة عنها فيما يخص الكتابة الحديثة دونما شك, فبعد انجاز وحدة الكيان الوطني على يد الملك المؤسس كان على هذه النخب ذات الأصول القروية أو البدوية أن تتعلم الكثير لتثبت حضورها الفعال في مجال ثقافي بدأت تتشكل خطاباته وتتنوع أشكاله وتعبيراته وتتبلور أطروحاته واشكالياته في عقود سابقة وأعني في تلك الفترة الغنية بالرواد والريادات وهي فترة ما بين الحربين, كان على الجهيمان وأمثاله الحوار مع أصوات هذا الخطاب المديني بما يضمن له تمثل المنجز المتحقق والانطلاق نحو المشاركة والإضافة ليتسع المجال وتزداد فعالية الثقافة في مجال المجتمع الوطني الجديد, ولعل مما عزز هذه السيرورة ان النخبة الوطنية في مجملها كانت مسكونة بهاجس الإصلاح الذي مثل الهاجس المشترك لدى الكتاب والناظم العميق المولّد والمغذي للكتابات.
نعم لقد كانت النزعة الإصلاحية عند مثقفي المدينة الحجازية تنزع نحو التحديث الجذري في الأفكار والقيم وأساليب التعبير فيما تبدو عند مثقفي الداخل نزاعة الى التجديد الحذر, فالمرجعية الجذابة بالنسبة لأولئك كانت تتمثل في كتابات الأدباء الشوام والمصريين والمهجريين الذين تحمسوا كثيراً لافكار وطموحات عصر التنوير بامتداداته الأكثر جذرية في الثورة الفرنسية والقومية الألمانية والاشتراكية الفابية الإنجليزية, أما المرجعية الأهم لهؤلاء فكانت تتحدد بخطاب السلفية النهضوية كما عبرت عنها كتابات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي وخير الدين الزركلي ومصطفى صادق الرافعي وغيرهم ممن اقتبس من الثقافات الغربية الحديثة ما يعزز الانتماء الى التراث وينسجم مع ثقافة المجتمع المحافظ الذي ينتمون اليه ويحاولون التعبير عن طموحاته الى النهضة والتقدم.
لكن هذا الاختلاف النسبي والإيجابي لم يكن ليمنع التقاء الكتاب من كلا الجانبين او التيارين من الالتقاء عند ذات السؤال الذي طرحه التاريخ على الجميع, أعني ذلك السؤال المزدوج: لماذا تقدم الآخر الغربي وتخلفت الذات العربية المسلمة وكيف السبيل الى تدارك هذا التخلف للخلاص من الهيمنة أو للنهوض بأحوال عامة متردية كانت هي السبب الأهم لتلك الهيمنة المباشرة او غير المباشرة؟!
أما ما يخصص ويميز محاولات الاجتهاد للاجابة على هذا السؤال الحضاري المشكل من قبل نخبنا الوطنية فهو أن الكيان الوطني الجديد الذي ينتمون اليه لم يكن يعاني تحديات الاستعمار أو الحماية أو الانتداب بقدر ما كان يجابه قضايا تعزيز الوحدة الوطنية وتدشين مشروعات التنمية, فلم يكن هناك مجال لتلك الصراعات الايديولوجية التي طالما تعالت أصواتها في بلدان مجاورة عرفت منذ القدم بتعدديتها الإثنية واللسانية والدينية والمذهبية وعملت القوى الاستعمارية الغربية على تعميق اختلافاتها لاستثمار ما ينتج عنها من خلافات خدمة لمصالحها الخاصة.
وباختصار يمكن القول إن ادباءنا ومثقفينا كانوا يقرأون الآخرين ويكتبون عن ذواتهم ومجتمعهم بالكثير من البراءة والعفوية موجهين كل اهتمامهم الى الإصلاح والتحديث والتنمية في وطن كان في امس الحاجة الى شيء.
من منظور هذه المعطيات التاريخية والاجتماعية والثقافية العامة يمكننا تفهم كتابة الجهيمان عن باريس في وقت لم يكن فيه لأحد من كتابنا أي خبرة مباشرة بانماط الحياة والثقافة الغربية, فبمصادفة مفاجئة وسعيدة سنحت الفرصة أمام كاتبنا ليرحل الى مدينة الأنوار ويقيم فيها بضعة أشهر في مطلع الخمسينيات محاولاً المعاينة والتأمل والكتابة عن هذه التجربة غير المتوقعة والمدهشة بكل المعاني, إننا أمام حكاية يمكن ان تذكرنا بحكاية رفاعة الطهطاوي الذي عاش في هذا الفضاء ودون تجربة حياته فيه قبل أكثر من قرن ليتحول الشخص والنص الى رمز مكثف لكل البدايات والريادات كما نعلم!, نتذكر تلك الحكاية لا من أجل مقارنتها بهذه بل للتذكير مجدداً باستمرارية حضور ذلك السؤال النهضوي العام في وعي كاتبنا في مثل هذه الفرصة التي لم يكن من المتوقع ان تمر على أمثال الجهيمان دونما كتابة ما.
يذهب محمد أركون وهو يحلل مكونات وتجليات الفكر العربي المعاصر الى ان كل من يرحل الى الغرب من ديار العرب والإسلام لابد أن يشعر بمسؤولية شخصية في الإجابة على سؤال النهضة والتحديث بمجرد عودته الى بلده الأصلي,, وقد يصاحبه قلق السؤال ومحاولات الإجابة طوال حياته إثر تجربة كهذه, هذا تحديداً ما ينطبق على عبدالكريم الجهيمان الذي كان يترحل لا بين مدينتين أو وطنين بل بين عالمين مختلفين كل الاختلاف.
فالمدينة هنا فضاء عمراني كبير ومعقد بقدر ما هو منسق ونظيف وجميل, وحياة الناس هنا تجسد حرية تبدو في الظاهر بلا قيود او حدود لكنها في الباطن منظمة بعلاقات يحكمها القانون الذي يكفل للجميع ذات الحقوق ويملي عليهم ذات الواجبات, ومظاهر النشاط الثقافي بمكوناته الجمالية والفكرية والعلمية تبرز في كل مكان ليراها كل من يتعلق بها ويبحث عنها, أما الطبيعة هنا فمواتية كل المواتاة إذ لا يكاد المطر الناعم ينقطع ولا غرابة بالتالي أن تكثر الحدائق في المدينة وان تجاورها الغابات وتحيط بها المزارع الخصيبة من كل الجهات.
وباختصار فإن فضاء باريس هو جزء من,, ورمز لمدنية حديثة تثير إنجازاتها الدهشة وتولد الإعجاب ولابد انها تداعب في الكاتب حلماً بعيداً يتصل بذلك الوطن الذي يحن إليه الكاتب المغترب ويعبر عن مشاعره تجاهه في ذلك الشق الشعري الذاتي الانفعالي الذي يأتي في نهاية نص الرحلة.
والكتابة عن فضاء كهذا سريعا ما تتحول الى عمل فكري يحاول كاتبه من خلاله تقليص الفروقات بين فضاءين يحضران معاً في ذهن الكاتب ويشكل أحدهما مرآة للآخر تكشف ملامحه وتُبرزُ ما فيها من عناصر الجذب وعناصر النّفور, إننا أمام عمل ثقافي يستهدف فعلاً اصلاحياً نهضوياً قد يكون بعيداً كالحلم لكنه حاضر في الكتابة ويراد له أن يحضر عبرها الى الآخر والغير, فرغم ان الكاتب لا يصرح بشيء من هذا بل ويؤكد أنه ما كتب إلا لغايات ذاتية تخصه إلا ان فعل الكتابة هو بالضرورة فعل متعد ينشد التواصل مع ذلك القارئ المفترض الذي تتجه اليه وتبحث عنه كل كتابة.
من هو إذن ذلك القارئ المفترض ؟ هذا هو السؤال الذي يفتح القراءة على اشكالية المصير التراجيدي الذي آل إليه هذا النص الرائد, في دراسة سابقة لذات النص فصلت القول بعض التفصيل بصدد هذه القضية ولذا اكتفي في هذا المقام بتعميق بعض الملاحظات التي وردت هناك اجمالاً.
فجزء من دلالة مفهوم القارئ المفترض تنصرف ولابد الى قارئ نموذجي يشبه الكاتب المثقف ولعل خير من يمثل صورته صديقه كاتب المقدمة يونس بحري الإذاعي العراقي الذي عُرف بنزعته القومية التي نُفي بسببها الى باريس حيث قابله الكاتب, ففي مقدمته يشيد يونس بحري بكتابة الجهيمان ويتوقع لها ان تترك أثراً قوياً في أوساط القراء العرب المسكونين هم ايضا بهاجس التقدم وطموحات النهضة واللحاق بركب هذه الحضارة الإنسانية المتقدمة, ومجرد حرص الكاتب على إيراد هذه المقدمة في النص المنشور بعد أكثر من ثلاثين عاماً يدل على وجاهة ما نقول بصدد هذا القارئ المنتمي بالضرورة الى النخبة المثقفة أو الانتلجنسيا .
لكن جزءاً من دلالة المفهوم ذاته ينصرف الى قارئ واقعي موجود هو ايضاً في مجتمع الكاتب ومجال تداول كتابته وهو يختلف عن القارئ الأول، وتتحدد أهم سمات اختلافه بكونه قارئاً سلطوياً بمعنى ما، فهذا القارئ شخص محافظ يعادي ما يجهل وقد لا يتقبل اي كتابة تعلي من شأن الآخر الغربي النصراني أو تغوي بثقافته وحضارته، والأهم من هذا كله ان هذا القارئ يمتلك من السلطات ما قد يمكنه من إيذاء الكاتب رمزياً أو عملياً بسبب هذه الكتابة تحديداً.
هنا بدأت الحكاية المأسوية فالكاتب غامر وكتب عن باريس وأهلها وثقافتها من منظور الإعجاب ليعبر بصدق عن ذاته، أي عن مشاعره الخاصة وفكره الخاص وموقفه الخاص، لكنه قرر بعد ذلك حجب نصه عن قارئه المحلي كي لا يصدقه أو يتصادم معه، خصوصاً إذ يعلم حق العلم ان قارئاً كهذا سيلجأ الى سلطة المقدس قوية الحضور في مجتمع كمجتمعه, هكذا وئد هذا النص الرائد الى ان فقد وظيفته الريادية أدبياً وفكرياً إذ لم ينشر إلا في الثمانينيات حينما أصبحت الكتابة عن باريس وغيرها من الحواضر الغربية منتشرة في الصحف والمجلات فضلاً عن الروايات والكتب المعرفية.
أما ريادة الكاتب وكتاباته الأخرى فقد تحققتُ ولحسن حظنا جميعاً، في أعمال تالية تسللت اليها تلك الأفكار والرؤى الإصلاحية ذات المنزع الاجتماعي الإنساني القوي في بعديه الوطني والقومي وعبرت عن وعي جيل كامل هو جيل الستينيات ومازلنا الى اليوم نجد فيها ما يعبر عن وعينا ومواقفنا, فالريادة ليست مرهونة بنص واحد وهي لا تمنح لاحد من احد لأنها الصفة المستحقة التي ينالها الكتاب الرواد بعد الكثير من المعاناة واشكال التضحيات والإنجازات, هذا ما يجعلنا اليوم نبادر الى الاحتفال بعبد الكريم الجهيمان كواحد من تلك الرموز التي لا نعترف بقيمتها إلا ونحن نعرف حق المعرفة انها ما عانت مشقات الحياة والكتابة إلا من أجلنا, نعم أبا سهيل لم أحرص على المشاركة في تكريمك في هذا المكان الكريم ومع هؤلاء الناس الكرماء إلا لأنك عشقت ثقافة الإنسان وكرامة الإنسان لتبقى، شخصاً ونصاً، ذلك الرمز المشع الذي نشرف جميعاً في الاحتفاء به.

* ألقيت الورقة في حفل تكريم الأستاذ عبدالكريم الجهيمان في مركز ابن صالح الثقافي بعنيزة مساء الثلاثاء 25/7/1421ه

الجزيرة: الخميس 27 ,شعبان 1421 Thursday 23rd November,2000

بواسطة : admin
 0  0  1.6K
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 05:13 مساءً الأربعاء 16 أكتوبر 2019.